تاريخ الأندلس

جولة تاريخية في مكتبة قرطبة الأموية بالأندلس

مكتبة قرطبة الأموية رحلات اندلسية

أنشئت مكتبة قرطبة الأموية بالأندلس في عصر محمد الأول عام 238-273هـ / 853 -887م. ثم تطورت في عهد الحكم الثاني، وقد كانت مكتبة الحكم رصيدها ثلاث مكتبات هي: مكتبة القصر التي اشتملت على ما جمعه أسلافه، ومكتبة أخيه محمد التي ورثها بعد وفاته، ومكتبته الخاصة التي جمعها من كل حدب وصوب، وأخذ الحكم في تنمية مجموعات المكتبة الجديدة حتى بلغ عددها 400.000 مجلد.

نبذة تاريخية عن مكتبة قرطبة الأموية

عندما تولى الحاكم الأموي عبد الرحمن الناصر حكم الأندلس عام 300-350هـ / 913 -962م. والذي اشتهر بحبه للكتب حتى بلغت شهرته الإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع الذي لم يجد شيئا يتقرب به إلى قلب الناصر حينما عزم على عقد معاهدة معه سوى أن يهديه كتابا جديدا لم يعرفه من قبل وهو كتاب ديسقوريدس، وكانت هذه النسخة رائعة حيث كتبت بحروف من ذهب وزينت برسوم جميلة، وحب الناصر للكتب جعله يهتم بمكتبة القصر الملكية وذلك بتزويدها بكل ما هو نفيس من الكتب.
وفي تلك الأيام بدأ كل من ولديه الأميرين الحكم ومحمد دراستهما تحت إشراف معلمين من أهل البلاد وخارجها، وقد زاد شغفهما بالكتب إلى درجة قوية جعلتهما لا يرضيان عن مكتبة أبيهما، وبدأ يتنافسون في طلب العلم ويتناغيان في جمعه ويتباريان أيهما يستطيع أن يجمع مكتبة أكثر عددا وأفضل اختيارا من الآخر، وعندما توفي محمد آلت كتبه لأخيه الحكم وورثها عنه.

الحكم المستنصر و مكتبة قرطبة

وفى عام 350هـ / 962 م. تولى مسئولية الحكم المستنصر بالله بن عبد الرحمن الناصر لدين الله الذي كان شغفه بالكتب والمكتبات ومقدار اهتمامه بالعلم والعلماء كبيرا، فجعل الحكم كل هدفه السير بالأندلس قدما في طريق العلم والمعرفة فوجه الحكم جل اهتمامه إلى بناء وتنمية مكتبته الخاصة فنشر رجاله في كل مراكز الثقافة الإسلامية يبحثون عن النادر من الكتب والمخطوطات ويدفعون أغلى الأثمان بغية الحصول عليها، بل وكانوا يصادقون تجار الكتب في كل مكان ليدلوهم على ما صدر منها وما هو بسبيله إلى الصدور وكان يحدث كثيرا أن يشتروا الكتب من مؤلفيها أو ناشريها لتصدر في الأندلس قبل أن ترى النور في بغداد أو الموصل أو البصرة أو مصر حيث كان الحكم يجد متعة في أن يكون أول قارئ لما يصدر من الأبحاث الجديدة.

أقسام المكتبة

لم يكن للمكتبات عند إنشائها أبنية مستقلة خاصة، بل كانت المكتبة جزءا غير مستقل من مبنى المؤسسة التي تنشأ في كنفها، فكانت مكتبة الحكم تشغل إحدى أجنحة قصر الخلافة بقرطبة وكان هذا الجناح هو ما يعرف في التاريخ باسم مكتبة الحكم أو مكتبة قرطبة الأموية، وعندما ضاقت غرف المكتبة بما تحويه من كتب، علاوة على عدم استيعابها للزيادة المطردة من الكتب كان من الضروري أن تنقل المكتبة في مكان آخر، وقد استغرقت عملية النقل ستة أشهر كاملة.
وكانت المبنى الجديد يضم عددا من الأقسام منها قاعة الكتب وهي أصل المكتبة، ومركز البحث والتأليف، ومركز النقل والترجمة، ومركز التدقيق والمراجعة. أما وظائفها الخاصة فكانت كما يلي:

قاعة مكتبة قرطبة الأموية

وكانت تشمل القاعة الرئيسية في مبنى المكتبة، وكانت تشمل عددا كبيرا من الكتب التي كان يجمعها الأمراء من كل حدب وصوب حتى بلغت هذه الكتب أربعة آلاف مجلد، وكانت المكتبة قد اعتمدت على مجموعة مصادر في بناء وتنمية مجموعاتها من الكتب منها الشراء ويعتبر المصدر الأهم في جمع الكتب حيث كان الحكم الثاني ينفق في شراء الكتب ونوادر المخطوطات أموالا طائلة.
ولقد جمع الحكم من الكتب ما لا يحد كثرة ولا يوصف نفاسة، وصلت على وقته 400.000 مجلد، استغرق نقلها ستة أشهر. ولقد بلغ عدد فهارس مكتبة الحكم فقط في أسماء دواوين الشعر (44) فهرسا، بكل فهرسة عشرون ورقة. واهتم الحكم المستنصر بهذه الكتب عناية كبرى، فجمع في قصره حذاق النساخين، والمهرة في الضبط، والمجيدين في التجليد صيانة لكتبه.

طلب الحكم المستنصر لـ كتاب الأغاني

بعث الحكم المنستنصر في طلب كتاب الأغاني إلى مصنفه أبي الفرج الأصفهاني ودفع إليه فيه ألف دينار، فأرسل إليه أبو الفرج نسخة مكتوبة من هذا الكتاب قبل أن يظهر في بغداد. كذلك ألف له كتابا يتضمن أنساب قومه بني أمية، وقد فعل المستنصر ذلك أيضا مع القاضي أبي بكر الأبهري المالكي في شرحه لمختصر ابن عبد الحكم، ومع محمد بن القاسم بن شعبان بمصر، ومحمد بن يوسف الوراق الذي صنف له كتابا ضخما في مسالك إفريقية وممالكها، وأبي عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرج. وكان يعين هؤلاء الكتاب بالمال على كتابة مصنفاتهم، كما كان لا يتردد في مساعدتهم عن طريق إعارتهم ما كانوا يحتاجون إليه من مصادر، فقد أرسل إلى الكاتب المصري أبي سعيد عبد الرحمن بن يونس صاحب كتاب ” تاريخ مصر والمغرب” كتابا استعان به هذا المؤرخ في تصنيف كتابه المذكور، في القسم الخاص بالأندلس.

مصادر كتب مكتبة قرطبة

من المصادر الهامة هي الهبات و الهدايا فكان المؤلفون يرسلون كتبهم للمسئولين التي لا توجد عندهم، وكان العلماء يعطون الكتب لمن يطلبها على سبيل الهبة حتى ولو كان المطلوب مخطوطا أصليا نادرا، فضلا عن ذلك كانت تأتى كتب أجنبية من البلدان الأخرى هدية إلى حكام المسلمين، ومن المصادر أيضا الوقف وكان يمثل مصدرا في إثراء المكتبة بالمجموعات القيمة من الكتب، حيث كان الحكام والمحكومون شديدي الرغبة في وقف الكتب على مختلف معاهد التعليم وإنشاء المكتبات بها حتى ينالوا الأجر والثواب من الله على ذلك وإفادة طلاب العلم من جهة أخرى.
وكان تنظيم المكتبة من الداخل يعتمد على الفهارس الموضوعية، وقد بلغت هذه الفهارس التي فيها تسمية الكتب وأسماء المؤلفين نحو أربعة وأربعين فهرسا لكل موضوع، وفى كل فهرس عشرون ورقة.

و من ما يذكر ايضاً أن الأمير عبد الرحمن الأوسط بعث عباس بن ناصح الجزيري إلى المشرق ليبحث له عن الكتب القديمة النادرة، فأتى له بكتاب السندهند وغيره. ويعتبر عبد الرحمن الأوسط أول من أدخل هذه الكتب الأندلس، وعرف أهلها بها ونظر هو فيها.

مركز البحث والتأليف

وهو يشمل فئات من الباحثين والمؤلفين كل على حسب تخصصه فكان فيها من العلماء المتخصصين في مختلف فروع المعرفة، وكان يتم تكليف بعض علماء الأندلس للتأليف في تخصصات معينة ومن أمثلة ذلك تكليف محمد بن الحارث الخشني لتأليف بعض الكتب للمكتبة منها كتاب تاريخ قضاة قرطبة، وكتاب فضائل الإمام مالك، وغيرها كثير.

مركز النقل والترجمة

كان مركز النقل والترجمة يزود المكتبة بالمصنفات في الحضارة الأجنبية والفكر العالمي، ومن ثم اهتم القسم بترجمة أمهات الكتب من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية، وقد عمل في قسم الترجمة نخبة ممتازة من المترجمين الذين يجيدون اللغات الأجنبية خاصة اليونانية واللاتينية منهم عبد الله الصقلي ومحمد النباتي ومحمد بن سعيد وعبد الرحمن بن إسحاق بن الهيثم وغيرهم، وكان أكثر العلوم التي ترجمت في المجالات العلمية كالطب والهندسة والفلك.

مركز التدقيق والمراجعة

كانت مهمة هذا القسم مراجعة الكتب وتصحيحها وتهذيبها سواء المؤلفة أو المترجمة حتى تصبح خالية من النقص العلمي أو العيب المادي، وكان يعمل في هذا القسم نخبة من العلماء المعروفين والمشهود لهم بغزارة علمهم وتميزهم في كل تخصص ومن خيرة هؤلاء العلماء الرياض محمد بن يحيى بن عبد السلام الأزدي، وأبو محمد ابن أبي الحسن الفهري القرطبي ، ومحمد بن معمر الجياني.

إدارة المكتبة

شملت المكتبة فئات من العاملين منهم فئة المؤلفين وفئة المترجمين، وفئة منتجي الكتب وتشمل النساخين ومن في حكمهم كالمراجعين والمجلدين والمزخرفين، وفئة المتخصصين في شئون المكتبات كالقائمين بالأعمال الفنية والخدمات المكتبية، بالإضافة إلى فئة العمال والسعاة الذين يقومون بعملات الأمن والحراسة وتنظيم الفراش وأثاث المكتبة.
وكان الأفراد في كل فئة يعملون تحت إشراف مسئول يتولى شئون العمل من حيث توزيعه عليهم وتجهيز مستلزماته، وكان يشرف على هؤلاء جميعا من الناحية العلمية والإدارية “خازن” كانت وظيفته تماثل وظيفة رئيس المكتبة أو مدير المكتبة، وكان يتولى وظيفة الخازن أحد أساطين العلماء أو أحد مشاهير الأدباء بحيث يسمح عمله وتتيح ثقافته وخبرته القيام بهذه المسئوليات الجسام على أكمل صورة.

نهاية مكتبة قرطبة الأموية

للأسف كان مصير هذه المكتبة نفس مصير المكتبات المشرقية من الحرق والسلب والنهب والتخريب فقد ضعفت الأندلس بعد وفاة المنصور ابن أبي عامر وبدأت في التفسخ فبعد  الجهد الذي بذله الحكم في تكوينها لم تلبث أن بددت عند حصار البربر لقرطبة في عام 400هـ / 1010 م ,فلقد احتاج الحاجب واضح مولى المنصور ابن أبي عامر إلى المال فأخرج أكثر الكتب من المكتبة وباعها، ونهب ما بقي منها على أثر دخول البربر مدينة قرطبة عنوة في عام 403هـ / 1013 م. وكان المنصور محمد ابن أبي عامر -رغم حبه للفلسفة- قد جرد مكتبة القصر من كتب الفلسفة والفلك وغيرها من الكتب، وأحرقها بيده أمام نفر من علماء قرطبة البارزين كالأصيلي وابن ذكوان والزبيدي، ليظهر للناس غيرته على الدين.

وإذا كان المنصور محمد ابن أبي عامر قد ضحى بكتب الفلسفة والفلك لاسترضاء فقهاء قرطبة وتدعيم مكانته في قلوب عامتها المنغلبين على ذوي السلطان، وكف يد المشتغلين بالفلسفة والاعتزال، أسوة بما فعله الناصر قبله عندما أحرق كتب ابن مسرة القرطبي خارج باب جامع قرطبة لتضمنها إشارات غامضة مشبوهة عن منازل الملحدين، فإنه نهض بالشعر نهضة كبيرة واحتضن الشعراء والأدباء، وجعل لهم ديوانا رتبهم فيه إلى طبقات، وقدرت جوائزهم على قدر مراتبهم. وفي عهده ظهرت شخصيات أدبية شرقية وأندلسية مثل صاعد البغدادي والشاعر الرمادي الأندلسي والأديب الفيلسوف أبو المغيرة بن حزم وابن زمنين.

السابق
الطبيبة أم الحسن الطنجالي الأندلسية
التالي
عباس ابن فرناس أول من حلق في سماء قرطبة و في العالم