تاريخ الأندلس

لاخيرالدا تاريخ منارة جامع اشبيلية الكبير

لاخيرالدا Giralda وهي منارة أو صومعة مسجد إشبيلية الجامع المتقدم ذكره، وهي بروعتها وجمالها تبدو لؤلؤة إشبيلية الأثرية، وتقع إلى جوار زاوية الكاتدرائية العظمى الشمالية الغربية، وفي جنوب غربي الصحن. وقد سبق أن ذكرنا كيف بدئبإنشاء المنارة المذكورة في أواخر عهد الخليفة أبي يعقوب يوسف، ثم استؤنف بناؤها في عهد ولده الخليفة أبي يوسف يعقوب، وهو الملقب بالمنصور،

وقد ذكر لنا ابن صاحب الصلاة و هو مؤرخ اندلسي كان يقيم بأشبيلية أنها بنيت بغير أدراج، يصعد إليها في طريق واسعة للدواب والناس والسدنة، وأنه لما صدر أمر الخليفة ببنائها، وبناء ما اختل من الجامع، وذلك في سنة 584 هــ (1188 م)، شرع في بنائها بالآجر الذي يؤخذ من بناء حجر سور ابن عباد المتقدم الذكر، وعني بالبناء أشد عناية، ودام العمل في ذلك أعواماً، يجري البناء فيها أحياناً متقطعة، فإذا غادر الخليفة إشبيلية إلى الحضرة، تعطل البناء، ثم يستؤنف متى حضر. 

وكان الخليفة المنصور يلازم الجلوس بنفسه على البنائين في المدد التي كان يعاود فيها البناء، واستمر ذلك إلى أن كانت موقعة الأرك الشهيرة التي أحرز فيها الموحدون بقيادة المنصور نصرهم الباهر على القشتاليين، وذلك في سنة 593 هــــ (1195م)، فحينما عاد المنصور إلى إشبيلية مكللاً بغار النصر، وكان بناء المنارة قد تم ولم تبق سوى أعمال التجميل، أمر بتزويدها بتفافيحها الذهبية المشهورة. 

وإليك كيف يصف لنا ابن صاحب الصلاة قصة هذه التفافيح ورفعها إلى أعلى المنارة في حفل كان من شهوده، قال: 

 ((فلما وصل أمير المؤمنين، وهزم الله له أذفونش الطاغية، أمر رضي الله

عنه في مدة إقامته بإشبيلية بعمل التفافيح الغريبة الصنعة، العظيمة الرفعة، الكبيرة

الجرم، المذهبة الرسم، الرفيعة الاسم والجسم فرفعت في منازلها بمحضره،

وحضر المهندسون في إعلايها على رأيه، وبلوغ وطره، مركبة في عمود عظيم

من الحديد مرسى أصله في بنيان أعلى صومعة الصومعة أعلاها، زلة العمود

مائة وأربعون ربعاً من حديد، موثقاً هناك، في تلاحك البنيان، بارز طرفه الحامل

لهذه الأشكال المسماة بالتفافيح إلى الهواء، يكابد من زعازع الرياح، وصدمات

الأمطار، ما يطول التعجب منه من مقاومته وثباته. وكان عدد الذهب الذي

طليت به هذه التفافيح الثلاث الكبار والرابعة الصغرى، سبعة آلاف مثقال كباراً

يعقوبية عملها الصياغ ببن يدي أمير المؤمنين وحضوره. ولما كملت سترت بالأغشية

من شقاق الكتان لئلا ينالها الدنس من الأيدي والغبار، وحملت على العجل مجرورة

حتى إلى الصومعة، بالتكبير عليها والتهليل، حتى وصلت ورفعت بالمسدسة حتى

إلى أعلى الصومعة المذكورة، ووضعت في العمود، وحصلت فيه، وحصنت

بمحضر أمير المؤمنين أبي يوسف المنصور رضي الله عنه، وبمحضر ابنه وولي

عهده أبي عبد الله السعيد الناصر لدين الله، وجميع بنيه، وأشياخ الموحدين 

والقاضي، وطلبة الحضر، وأهل الوجاهة من الناس، وذلك في يوم الأربعاء

عقب ربيع الآخر، بموافقة التاسع عشرين من مارس العجمي عام أربعة وتسعين

‎ وخمسمائة، ثم كشفت عن أغشيتها ، فكادت تغشي الأبصار من تألقها بالذهب

الخالص الإبريز، وبشعاع رونقها)). 

ونزيد نحن على ما تقدم أن منارة جامع إشبيلية، كانت قرينة لمنارتين شقيقتين فيما وراء البحر، هما منارة جامع الكتبية (أو الكتبيين) بمراكش، وهي التي مازالت تزدان بها العاصمة المغربية القديمة حتى اليوم، ومنارة حسّان (تور حسان) القائمة على مقربة من شاطئ المحيط بمدينة الرباط، وكلتاهما على نفس الطراز والنمط ، في الداخل والخارج. 

وقد أمر بإنشاء المنارتين أيضاً الخليفة يعقوب المنصور. وقيل في شأن منارة الكتبية إنه بدئ بإنشائها في عهد الخليفة عبد المؤمن، ولكنها لم تكمل إلا في عهد حفيده المنصور، 594 هـــ، ‎وعلى أي حال فقد تم إنشاء الكتبية في سنة بعد تمام منارة إشبيلية بقليل، وأقيمت منارة حسان في نفس الوقت، ولكن بناءها لم يكمل، ووقف دون القمة العليا، وفي وسعنا بتأمل منارة الكتبية أن نتصور منظر منارة إشبيلية قبل تحويلها إلى برج للكنيسة.

وما زالت منارة إشبيلية، بالرغم من تحولها إلى برج للأجراس، تحتفظ بكثير من روعتها الإسلامية القديمة، وهي مربعة الشكل، بالغة الارتفاع، وقد اشتهرت عصوراً بجمال هندستها، وروعة زخارفها، التي بقي الكثير منها حتى اليوم، واشتهرت بالأخص بتفافيحها الذهبية، وكانت الوسطى منها بالغة الضخامة. 

ومما يذكر أن الذي قام بصنع هذه التفافيح، ورفعها إلى أعلى المنار، هو المعلم أبو الليث الصقلي، وأن قيمة ما أنفق على تذهيب التفافيح، بلغت من النقد مائة ألف دينار.

ويبلغ ارتفاع منارة المنصور أو  (لاخيرالدا) كما يسميها الإسبان ستة وتسعين متراً، ويصعد إليها من الداخل، بواسطة ممرات منحدرة صاعدة مرصوفة بالآجر، تبلغ أربعة وثلاثين وبها في ثلثها الأوسط أربع طبقات من المخادع الجانبية، لها نوافذ ومشرفيات عربية، زينت واجهاتها بنقوش عربية ومغربية بديعة. وتعلو هذه الطبقات الأربع، طبقة خامسة، ذات أروقة و مشرفيات عالية. والظاهر أنها كانت طبقة المؤذنين. ثم تأتي بعد ذلك الطبقة الأخيرة، وهي اليوم برج أجراس الكنيسة. ذاك أنه قد وقع في الثلث الأعلى من المنارة تغيير عظيم، وكانت تفافيحها الذهبية الأربعة قد سقطت في سنة 1355 م، عل أثر زلزال مروع هز أركانها بشدة، وغاصت في الأرض وأتلفت قشرتها الذهبية الزاهية.

وفي سنة 1400  حولت قبتها العليا إلى برج متواضع للأجراس، ولما تم بناء كنيسة إشبيلية العظمى في سنة 1558 م، بدئ العمل في تحويل قمة المنارة إلى برج عظيم للأجراس فأبقى هيكلها الرئيسي بطبقاته الخمس على أصله، ثم بنى الإسبان فوقه برج الأجراس، الحالي من طابقين على طراز عصر الإحياء، واستغرق بنائه عشرة أعوام، ونصبوا فوق البرج تمثالاً برونزياً للإيمان ارتفاعه نحو خمسة أمتار، وله شارة تدور عند هبوب الريح ومن ثم فقد أطلق الإسبان على المنارة اسمها الذي تعرف به وهو (لاخيرالدا) أي (الدوارة).

ويشير الغزّال إلى ((لاخيرالدا)) بقوله: 

‎ (( وصومعتها (أي صومعة الكنيسة )

خارجة عن المسجد بقليل، تشاكل في التشييد صومعة الكتبية في العلو والضخامة،

والصعود لها من غير مدارج، إلا أن هذه زادوا في فحلها علواً فادحاً، على

ما اقتضاه نظرهم محل النواقيس)).

وهكذا أصبحت منارة المنصور، برج الأجراس لكنيسة إشبيلية العظمى، بعد أن كانت منارة مسجدها الجامع. 

يقول العلامة الأثري الإسباني كونتريراس: 

إن (لاخيرالدا) تبدو صرحاً كاملاً من الطراز العربي، وفيها تبدو مظاهر الفن الزخرفي الحقيقي. ومن الأسف أن هذا البرج الجميل قد توج بجسم غريب عنه جداً، لا يسمح لنا أن نتصور وضعها القديم، وتفاحتها الذهبية، وألوانها الزرقاء الزاهية)). 

وقد كان لطراز ( لاخيرالدا) ، وجماله وافتنانه ، أثر واضح في تطور الفن المعماري الكنسي المتعلق بالأبراج الكنسية، فنرى في إشبيلية، وفي كثير من مدن الأندلس الأخرى، كثيراً من الأبراج الكنسية، قد أقيم على طراز شبيه بطراز لاخيرالدا، وزخارفها وتقاسيمها الأندلسية. 

وقد أتيح لنا أن نصعد إلى أعلى برج (لاخيرالدا).

‎وأن نلقي على إشبيلية

الحسناء، نظرة من هذا الارتفاع الشاهق. وهي تبدو رائعة مستديرة الشكل، 

مكتظة بالشوارع، والدروب الضيقة، ومعظم منازلها بيضاء. وهو اللون المفضل

في الأندلس، ويبدو الفناء الأندلسي في كثير منها، وفيه نخلة أو نخيل، وتظللها 

من الناحية الجنوبية، المقابلة للنهر، بعض التلال. وتبدو حدائق القصر، وحدائق

أخرى من وراء (الكاتدرائية) رقاعاً خضراء يانعة. 

وتنتصب (لاخيرالدا) في قلب إشبيلية، بقامتها الرشيقة الشاهقة. بالغة

الروعة والجلال، كأنها ملكة تزهو وتتسامى. وهي تشرف على إشبيلية كلها من

نواحيها الأربع، وتشرف على نهر الوادي الكبير القريب منها. وعلى واديه اليانع

كله، وتستطيع أن تراها وأنت بالقطار من مسافات بعيدة. 

ومن آثار إشبيلية التي يبدو فيها الطابع الأندلسي قوياً واضحاً. كنيسة

(سان ماركوس)، وقد صنع برج نواقيسها، على طراز منارة الجامع، وهو

يعتبر أجمل (منار) في إشبيلية بعد (الخيرالدا).

السابق
السياحة في غرناطة: دليلك السياحي الشامل في غرناطة للأفراد و العائلات

اترك تعليقاً